اتصل بنا بأقلامهم أعمال الفنان سيرة ذاتية الصفحة الامامية

     
 

بــأقلامهـــم

 

 
 
في أعمال التشكيلي نزار صابور - رماد الحياة اليومية وذاكرة الروح
:كتب طلال معلا

ترفع مدارج الأزرق النيلي عبقريتها بالغناء، مترنحة بين جواب التركواز وقرار اللازوردي، مروراً بمراكب النيلة والكوبالت، وما ان يغرق المشاهد في الأوقيانوس المحتقن، حتى لا يأمل منه مخرجا، ولا يحدوه أدنى أمل بالنجاة، شأنه شأن الغرق في مواجيد الأصفر المتماوجة بين الذهبي والأهرة، مع الهندي والعسلي وغيرهم، يصبغ سلّمها تحولات من أشكال الأهلة المقوسة أو المكورة، المتناسمة عن الأكاليل النورانية التي تطوق رؤوس القديسين في تصاوير الأيقونات المحلية، يعيد صابور تشييد نفس العالم الفلكي، حين تتحد في نسبيته الجواهر والأجرام، الكواكب والذرات.
متقاطعات متوسطية:
بهذه اللغة الوجدانية يستهل الناقد أسعد عرابي تقديم الفنان التشكيلي المتميز نزار صابور في آخر معارضه المقام حاليا في جاليري أتاسي بدمشق، والفنان نزار صابور من الفنانين المجتهدين المواظبين على اقامة المعارض الفردية والمشاركة في المعارض الجماعية المحلية والدولية وهو من مواليد 1958 وقد حصل على الاجازة في الفنون الجميلة من جامعة دمشق منذ العام 1981 ودكتوراه الفلسفة في علوم الفن من موسكو العام 1990 ويمارس عمله كأستاذ مساعد في كلية الفنون الجميلة بدمشق.
وقد أجمع مختلف النقاد على أهمية تجربته كونه يتناول مجموعة المتقاطعات البصرية المتوسطية المنظومة على اعلاء الفرح أو الغبطة في بطانة من العزلة التي توضح العمق النفسي والروحي للفنان في التعامل مع الارث العام للانسان المعاصر.
لقد تنقل الفنان صابور في موضوعاته بحذاقة ليبقى على ارتباط بالقيم الانشائية والتلوينية المشتقة من الواقع النظري بقدرته على توليد المشاهد الحلمية، بدءًا من صورة المدينة التي استحالت في أعماله إلى مخططات عمودية تأويلية تتقاطع مع الفراغ الافتراضي الذي يجعل من المدينة بؤرة للنظر والتفكر في مصائر المقدرة البشرية على ان تعطي صفات (رمزية أو حقيقية) للسراب الذي يلف الاشكال والأشياء المطلة على عزلة المشاهد الذي تضيق خطواته بين القبور أو تقصر قامته تحت ظلال ما يوحي بالأشجار الليلية الألوان.
ولم تشكل المدينة كمكان يشد النظر إليه، وإلى متناقضاته المختلفة، أكثر مما اعتبرها الفنان وعاء ينفي الرؤية ليحشد الافكار الشرقية في أطرافه، وليضحى بذاكرته اللونية اليومية على حساب وجد لوني متقشف في أغلب الأحيان يحيل إلى السكون الصارم الذي يشبه سكون أماكن العبادة حين تكون خالية من المتعبدين،
وبرغم الاستطالات القاسية لمسطحات اللوحات لديه، والتي تشبه في تجاورها شواهد القبور في دقة قياساتها ومثالية بنائها، إلا انها لم تحمل روح المغالاة التعبيرية أو افتعال التفكير بموضوعاتها، وهذا ما سهل لنزار الانتقال منها مباشرة إلى مراحل جرب فيها مزج الألوان التي تلدها الطبيعة دون ان تهبها لأشكال بعينها، فالنور (الداخلي والخارجي، الفيزيائي والمعرفي) كان مسيطراً على الخدر الذي تحسه الأصابع وهي تصبغ السطوح بألوان التأمل.
لهذا يتابع أسعد عرابي تقديمه: »لا تستعيد لوحة صابور عصر النساك والزهاد والقديسين والحواريين، بقدر ما تستجيب إلى صبوة الانسان المعاصر في النكوص إلى رحم شفائي صميم، ومحاولة الخروج من قمقم القحط الروحي والميتافيزيقي والسحري، والسعي إلى التحرر من ربقة القهر المادي والاعلامي اليومي.. تبدو لوحته أشبه بحجرة عزلوية زاهدة، أو خلوة اعتكاف تصوفية، مطهرة من آثام العالم الاستهلاكي، كما ازداد المشاهد توحداً، كلما انطوى على خصائص عالمه الذاتي،
هذا هو شأن كينونة اللوحة واختلافها عن قانون التوارث والتماثيل في تقاليد الايقونة لا توجد لوحة تماثل الأخرى، كل واحدة تعبر عن لحظة وجودية لا تقبل التكرار أو المراجعة، تتناقض لوحة صابور بالنتيجة في صيرورتها المستديمة مع ماهية الأيقونة، بما تحافظ عليه الأخيرة من وحدة اللبوس التقني والمضموني الديني، حافظة أمانته بالتوارث من جيل إلى جيل«.
ربما يكون المغزى العام مما نقرأه في هذا الرأي هو »الايمان« أو ما تولده الحكمة من الانتشاء بالخيال المتوسطي المؤطر بالخرافة والاسطورة واستذكار السيرة البشرية بكل فعل يومي ممزوج بالسحر أو بالتجربة الشخصية التي قوامها الحلم كطريقة لاستشفاف الروح أو التعبير عنها باعتبارها هيكل الحقيقة التي يبحث عنها المصور في تصويره أو المعنى الرصين الذي تغيبه منهجية التعامل مع الأشكال التي تستظهر عظمة الانتماء إلى العين الانسانية التي تسمح للامتزاج بالعواطف والأحاسيس لبناء الإلفة أو ما يدعو للتحليق خارج الأمكنة التي توشيها الحكايات بمسطحات الخبرة والتقنية الممتدة إلى آلاف السنين وإلى الفراغ اللانهائي الذي يمثل التعلق بالعقائد والأفكار بدءًا من الجدار الأول أو السطح الحروفي الأول وحتى المنحوتة اللونية التي ينفذها اليوم نزار في كل ما يوضح معاني استخدامه لخامة دون غيرها تعينه للتأكيد على انتماء الأسطورة للانسان، وانتماء المدينة لذات الانسان، وبالتالي انتماء الأفكار وكل ما يتعلق بتأسيساتها لهذا الانسان.
أيقونات حديثة
الشاعر منذر مصري المطلع على تجربة نزار الأخيرة اعتمادا على معرفة واسعة بكافة المراحل السابقة يؤكد ان »المطلع على تجربة نزار الأخيرة قد يتردد في اعتبارها مرحلة رئيسية ثالثة أو رابعة، لها معطياتها وميزاتها المختلفة عن مراحله السابقة، والكافية لهذا الاعتبار، وقد يقول انها لا أكثر من تتويج لتلك المراحل، وهذا على احتماله لا يمنعني من النظر إليها من زاوية تسمح برؤية اكتمال كل شروط المرحلة الجديدة بها، حيث اني أرى ان الأسلوب والمضمون والموضوع، تلك الأقانيم الثلاثة تتوحد فيها لا في مستوياتها العليا التي لم تصلها من قبل فحسب بل أيضا في اكتمال هذا التوحد ومفارقته عن كل ما سبق من مراحل، فالأيقونة باتت لأول مرة المحور الوحيد لعمله، ولا نجد لها في هذه المرحلة موضوعاً منافسا من أي نوع آخر، وكأن نزار يجد فيها مستقرا ولو إلى وقت، وهو يقدم بها رؤية خاصة متفردة للأيقونة، وهنا لا يهمني وصفها بأيقونة معاصرة أو أيقونة شرقية جديدة، أو أي اسم آخر، ما يهمني هو انها أيقونة حقيقية، ولا أظن أن أحداً رأى كل تلك الأيقونات الحديثة وهي تحاول ذلك باستماتة.
لقد استطاع نزار بمفرداته وأدواته التشكيلية التي تتجدد في كل تجربة ان يرسم أيقونة روحية حقيقية، ولكن عناصر غريبة قاسية دخلت المضمار، وصارت لوحته تتطلب ان يكون لديه عدة الحفارين والنجارين، فلعبه في اللوحة قد وصل إلى أبعد مدى نعرفه فيه في المادة والشكل والاطار وبدت اللوحة وكأنها خزانة حائط أو دولاب أو ظهر قنصلية استبدلت مرآتها بمنظر غامض، وظهرت الأعمدة والرفوف والتيجان، وعلى الرفوف العالية التي لا تصلها إلا العين والواطئة السفلية التي في متناول اليد وضعت أشياء أليفة رخيصة ربما يصدم البعض ان يراها كتحف نادرة، وقد نقش نزار وحفر في اطاراتها وتيجانها وفي بدنها أيضا، وصارت اللوحة انجازا لفريق عمل من نحات وحفار ورسام«.

 

الملحق الثقافي
معرض
/ (نزار صابور) : لقاء العالمين/
لغاية 6 تموز في في قصر بوندي – نزار صابور يعرض أعماله لمحاولة تعريفنا بالشرق .
( الشرقيين يعرفون الغرب جيدا ، ولكن الغربيين لا يعرفون إلا القليل عن الشرق )
بهذه الجملة يلفت نظرنا الرسام السوري نزار صابور ، ليدفعنا / نحن الغربيين / إلى اكتشاف الشرق.
ومن هنا يأتي عنوان معرضه / عالمان / ، عالمان يجب تسهيل اللقاء بينهما ، وإقامة جسور وعلا قات .
وطرحت عدة جسور ما بين الشرق والغرب في هذا المعرض , الرسام يأخذنا إلى أعماق الشرق بالألوان
التي يستخدمها .الأزرق لون سورية ، حسب صابور ، ولون أزرق البحر بمزاياه السحرية .
ويدهشنا الفنان باستخدامه ويجعلنا لا نقف حياديين أمام التركواز واللازوردي ، وخاصة الأزرق النيلي
والكوبالت،خلال هذه الموجات من الألوان المختلفة ، تظهر صور لقديسين , ونفكر إنها الأيقونات ، وهذا
رأي خاطىء ، لأن في هذه الأيقونات ، القديسون غير معرفين ، فوجههم وجنسهم غير محدد عند صابور ،
حتى أنها تصبح مجرد خط خارجي ، وهذه الأشكال لا هي رجل ولا هي امرأة , ويمكن أن تكون الاثنين معا.
لسنا بحاجة أن نتبع أية ديانة من ديانات الشرق حتى نعرفها . الخصائص العامة التي يتبعها صابور ، تسمح لنا
بسرعة أن نلتقي بين العالمين ، لوحات : بوابات الروح 12-13-14 ليست لوحات عادية ، الفنان يعطيها شكل
واسم نافذة ، على أطرافها يمكن أن نضع أشياء مختلفة : شمعدان – منجرة – صحن .. الخ ( يشعر المشاهد ، أنه
هو نفسه من وضع هذه الأشياء ) ويشعر المشاهد أيضا أنه موجود في بيته مقابل نافذته الخاصة .
لقاؤنا مع الشرق وشخصيته الفلسفية المميزة ، تكون بجو حميمي قريب من الروح ، ونشعر بنفس الوقت أننا في بيتنا
أو أمام عالم مجهول ، وهذا هو سحر عمل صابور .
وأيضا اللقاء بين الغرب والشرق في الأعمال / الغير عادية بشكلها الخارجي / يختلط بين الهندسة الديكارتية والعفوية في الخطوط ، ففيها مرجعية تاريخية لمرجعية سورية وجددت على الفخار والحجر منذ أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد ، حيث أن الأشخاص موضوعة في شكل مدروس على رقعة الشطرنج وأيضا توازن الألوان .
المعرض مستمر لغاية الاثنين القادم ، وهذا يعني أنه لا يبقى لكم سوى 3 أيام حتى تكتشفوا نزار صابور: رسام سوري في ليون وهذا حدث نادر ،وهو نادر أكثر لأن موهبة الفنان تعادل قوة أعماله

ج . باربيه

.معرض في قصر بوندي ضم خمسين لوحة

السوري نزار صابور يحمل روحانية المشرق إلى فرنسا

استقبلت مدينة ليون الفرنسية معرضا لواحد من الفنانين العرب البارزين في حداثتهم ، وهو نزار صابور.احتوى المعرض في "قصر بوندي" نحو خمسين عملا. وضخامته من تجاور اللوحات والإنشاءات الفراغية فالعمل الفني الواحد يخلط النحت بالتصوير وتشارك "ًالة شومار" في هذا الاحتفاء الخاص.

وصابور أستاذ بارز في مادة التصوير في كلية الفنون بدمشق ويلاحظ في السنوات الأخيرة نشاط معارضه وتنقلها بين أبرز المتاحف العربية محققة نجاحا ثقافيا ملموسا وذلك لسببين أصالة ذاكرته التصويرية المتراكمة ومستقبلية حداثته الرصينة.

تتصل تجربة صابور بخصائص التعبيرية السورية خصوصا مع رمزيها فاتح المدرس والياس زيات ولكن تمايزه عنهما يقع في تطرفه اللوني الروحاني وانغماسه في الاستلهام من التراث التصويري المحلي مثل ذخائر الايقونات المالكية او السوريانية ومناخات طقوس كنائسها المشرقية

يقول في حديثه إلى صحيفة " لوبروغري" بمناسبة المعرض شارحا عنوان المعرض "عالمان" و " بوابات الروح (إن الشرق يعرف جيدا عالم الغرب،ولكن العكس ليس صحيحا كما يشاع ) في هذا التصريح اعتراف بسوء الفهم الاستشراقي لفنون المشرق العربي، واقرار بالحدود الثقافية المتمايزة بينهما. تماما كما هو الفرق بين ديوان موسيقى باخ وموسيقى موشحات زرياب الافقية
عالمان لا يمكن خلطهما كما يتوهم بعض الفنانين إلا بقوة التهجين الإستشراقي أو الاستغرابي أو التقريب الثقافي أو بالأحرى باستمرار تقاليد المهنة الثقافية لشمال البحر الأبيض المتوسط على فنون جنوبه.
ينطلق صابور في هذه القناعة من تمايز شهادة لوحته وحداثتها الشمولية محافظا على نسغ مفاهيم التنزيه ضمن ملصقاته المتوازية مع انشاءات ما بعد الحداثة وهشاشة موادها فلا يحكم قرابة شظاياها سوى الوحدة الفكرية في المناخ والفراغ والأطروحة الذهنية (المفهوم).

تتميز لوحته (المتصلة بالانشاءات) بعزلوية وزهدية حميمة وطفولية بريئة في الوقت نفسه يغلب عليها طابع خلوة الاعتكاف الزاهدة بخطايا العالم السفلي وسباقه المادي.
يدعو المتفرج بطريقة شفائية تطهرية الى الانغماس في طوباوية اللون خصوصوا تتدرجات الأزرق البالغ الخصوبة من يغرق فيه لا يرجو منه النجاة يتلون بالنيلي والأوقيانوسي باللازوردي والكوبالت والتركواز حتى تبلغ احتقاناته جواهر الزمرد والأخضر والبنفسجي والأرجوان والعقيق وألوان المحار والزعفران ويشهق اللون ويزفر حتى الثمالة حتى أقصى درجات تخمته الصباغية وذلك ضمن سلم رهيف من المقامات المشرقية العميقة التأثير وذات العذوبة الموسيقية البصرية.

تعتمد تشكيلاته التوليف بين المسطحات والمواد المحجمة يقع بالتالي في استلهاماته بين صورة الأيقونة ونحت المذبح والمحراب ومصاريع المرايا والخزائن المشرقية المصدّفة وقد تصل إلى حجم صندوق العجائب او كواليس مسرح الظل والتصوير على خشب العجمي وتحزيزاته الزخرفية

يمثل الاطار الخشب برزخا متوسطا بين قلب اللوحة والفراغ البيئي الذي يطوقها يقود الإطار إلى إطار آخر ومع مضاعفة هذه الأطر نعبر من الفراغ المركزي الى حيز مطلق كما هو الارتحال في رسوم المخطوطات من باطن الصفحة (او السجادة ) الى هوامشها السلمية المتدرجة وفق محطات لا نهائية من اللون لعله ولهذا السبب فإن المجموعة متوجة بعنوان "بوابات الروح" تمثل العبور من اللوحة إلى نافذة الأيقونة وبالعكس. وضمن تشكيلات مدهشة بالغة الأصالة لم يعهدها التصوير العربي من قبل تعتمد هذه التشكيلات المراوحة بين التجريد الموسيقي والتوقيع التشخيصي وتتحول أحيانا إلى إشارات مختزلة ومهندسة يقتصر بعضها على شكل القلب وتهفو الهامات بسكينة تأملية روحانية عميقة
تبدو تجربة صابور حرّه ومشرعة الأبواب لشتى المواضيع توحدها حساسية حدسية ذوقية فهم يشطح مرة باتجاه البناء اللوني مثل فاتح المدرس وتقمص تارة أخرى عمارة الانشاءات الخشب والتلسينات العبثية يستكين في أحضان تقاليد "لوحة الحامل" ويخرج منها ليعربد بألوانة في الفراغ المطلق كثيرا ما يحيل صالة العرض الى معبد طقوسي يحفل بالعناصر المسيحية المحلية مثل المباخر وسواها ولكنة يعيد صباغة هذه الألعاب فتتحول الى كائنات حلمية حية
وبالإجمال فإن أصالة منهج هذا الفنان تتفوق على نزواته الحدسية مما يعطي لبرنامجه الشمولي بعدا تربويا يطبقه في تعليمه الفني الجامعي غارسا في تلامذته روح المعاندة والثورة على سكونية التراث واللوحة داعيا إلى التمسك بذاكرته بعد تهشيمها والعودة بها إلى الجوهر الذي يتصل بصورة عضوية بتيارات ما بعد الحداثة ابتداء من الدادائية المحدثة وانتهاء بالبوب مرارا "بالتعبيرية المحدثة"

 

معرض الفنان نزار صابور في صالة الأتاسي بدمشق

أعتقد أن الفنان نزار صابور ينتمي إلى عالم الليل والنور أكثر من انتمائه إلى عالم النهار والضوء ورغم مسيرته التشكيلية الطويلة واختبارات الفنية الخاصة والمضيئة روحيا وجسديا خاصة على صعيد تجهيزاته وإنشاءاته الخشبية واستخدام المواد المحلية الشعبية في أعماله إلا أن له سطوة على الألوان لا مثيل لها سطوه داخلية في إشعالها وتبريدها وله خيال فني صوري وحساسية جمالية نمت في شموس المتوسط وأقواسه القزحية وهو لم يعاين في مخيلته تلك التراث الحضاري البابلي والسوري والفرعوني قط بل عاين الجناحين المهمين في تجربته الأيقونة البيزنطية وحداثاتها والفن العربي الإسلامي أو الفنون البيزنطية والإسلامية حتى لا تلتبس التسميات فيما الحداثة الفنية بتياريها الغربي والشرقي انصهرت في دخيلته وتمثلت عطاءات متنوعة وجمالية بين معرض وآخر ومرحلة وأخرى ولا شأن لكل هذا سوى في لوحته التي يبتكرها ويرقشها وينقشها ويجود نسيجها الخلوي القلوي واللوني بما يحتدم في روحه من توق إلى الخلاص ومن فيض وبحران في عوالم كوكبية فكلية مليئة بالرقي والتعاويذ والطلاسم حيث ما يحقق فيه مشكول في وجوده على الشاكلة التي يجده فيها وكأنه لا يكتفي أبدا مما هو في صدد تكوينة وإبداعه بل يقلب كل شيء على وجوهه وهو في صدد الأحلام والمنامات وأحلام اليقظة وربما الكوابيس أيضا.
وحين يتحدث الفنان عن الحداثة الفنية وما بعدها وعن التفكيكية فإنه كان يمارس ذلك دون وعي منه لأنه كثيرا ما شظي لوحته وملآها بالإشارات والرموز بالأساطير والخرافات وعاد الى طواطم الطفولة وهو الفنان الأكثر تفاعلا مع فانتازيا الطفولة والأكثر استشراقا للمستقبل بعيونها البريئة الصافية ومن يعرف الفنان ويرى أعماله يتأكد من ذلك العود الأبدي إلى بدائية فنية حقيقية غريزية عفوية وصادقة في مجمل تصوراتها وصياغاتها ومفاعيلها انه يستنهض من أعماقه تراكماته الإنسانية وجيولوجيا المشاعر والأحاسيس الغافية يوقظها ويطلقها في سهوب لوحته أو في فضاءات نصه التشكيلي الباحث عن تجميد الزمن ومقاومته أم يكن مشروع تخرجه من الكلية ملحمة جلجامش والأعمال التي نفذها من خلالها أدهشت معلميه وكان له فيما بعد القرع على أبواب الحرية فابتكر معرضا كاملا عن أبواب اللاذقية القديمة وما تعنيه وكأنه كان يعرف أنها ستزول بفعل زحف الاسمنت والمواد الصناعية الحديثة فيما أبوابه كان مشغولة باليد وبأدوات يدوية واكتشف فيها كل الجماليات الحميمة التي كان عاينها في طفولته هو الذي سكن حيا شعبيا داخليا في ساحة الشيخ ضاهر العتيقة.
وحين سافر نزار صابور إلى الاتحاد السوفياتي للتخصص في الفن التشكيلي كان هاجسه قد تطور جماليا حين اصطدم بالمدينة البلدات القديمة ثم ما لبث أن طور موضوعه التشكيلي المعماري الجمالي من الواقعية إلى التعبيرية الجوانية القوية وصار يحلم المدينة بل وقع تحت سطوة هذا الحلم وصاغ مدنا شرقية مسحورة من ألف ليلة وليلة ومدنا تتراكب بيوتها وتجتمع بألفة وحنو وحميمية كما الناس وتتعاضد وتلتئم وتلتحم كما هي عليه بل وتتوحد كأنها مسكوبة كتلة واحدة في فضاء اللوحة تمايزها ألوانها ومنها انتقل إلى ليل المدينة بعدما أن أوقد شموسها وأقواس قزحها كثيرا وطويلا أن تجربة المدينة مفصل أساسي وهام في تطور تجربة نزار وهي تحتاج دراسة وتفصيلا أكثر لأنه بعد هذه المرحلة توزع نزار بين التعبيرية والتجريد اللذين يخصانة ولا ينتميان سوى له وغدا حالة تشكيلية مبلورة وناضجة وجوهرية حيث غدا نزار يتبارى ويتماهى مع الألوان في رياضات محلومة ترابية هوائية مائية ونارية على حد سواء.
من المؤكد في بعض الأحوال والأحيان أن نزار صابور أخد بالفنان خوان ميرو والحداثة العربية الطاغية وظهرت الشخوص الورقية والهامشية والكتيمة الظليلة في لوحاته لكنة لم يقف عند ذلك بل ذهب إلى حواءات الأيقونة يتلاعب بتخومها ومقاييسها واجوائها ومناخاتها ذهب إلى المذابح المحلومة التي تبث النور والنار والخلاص وقد غير في محتويات الأيقونة وهندستها وحتى رسومها وألوانها التقليدية أنه أخرج المذابح الكنسية من داخله إلى الفضاء واخرج القديسين وغيرهم ووضعهم في حالات بين التراب والسماء بين الخطيئة والخلاص بين ظلمة الأرض وملكوت السماء وهو في تجربته الروحية المتفجرة المحيرة ذهب مذاهب شتى ودخل في غنوصية وصوفية ما من خلال هذا التغول والثغور الجمالي الذي استطاع أن يجرفه ويضايفه في أعماله حيث ليست مرجعية الخارج هي الواضحة بل غموض الداخل لذلك سعى كثيرا ومازال حتى الآن وكأنه يقدم رسالة ويتحول وينزاح عن التقليد الراسخ في هذا الفن بل أنه فجر الأيقونة من الداخل ودفع بها إلى كل الجدة بل انه دفع بكل هذا التراث الروحي إلى حداثاته وتجدداته دون أن يمس القيم الإنسانية الأصيلة والمحبة التي فيه.

وعلاقة الفنان بالأيقونة الشرقية البيزنطية من أشد العلائق التشكيلية والجمالية لديه والروحية كذلك لكنه لم يستوطن الأيقونة أو تستوطنه سوى في التشكيل الإنساني والفني بل اتخذها إسراء ومعراجا إلى روحانية الألوان وروحنتها والذهاب في أثريتها ونورانيتها حتى أنه يتقادح الأزرق والكحيل والأسود والبني المحروق والأحمر والأصفر والبنفسجي والرمادي الفاتح أو القاتم والغري والأخضر وكل مشتقات الألوان وكيماوياتها حيث لنزار فن الألخيمي في الألوان في البحث عن اللون الذهب كما العدد الذهبي وهو استخدم الذهب الشمسي والفضة القمرية لكنه حول ألوانه جميعها إلى لون الذهب رغم أن الأزرق والكحلي السماوي والبحري قد سيطر على لوحاته وحتى أنه تحول في أيقونته من البني المحروق الأحمر البرتقالي الأصفر الذهبي وذهب إلى صوفية الأزرق حتى أن مرحلة الأزرق تبدو وكأن نزار تدثر بها وجعلها لبوسه ولبوس لوحاته إذ انه أنقذف وتدافع إلى لوحة اللون الواحد من وراء ذلك وحيث صارت اللوحات مجاميع ثنائية وثلاثية ذات ألوان من مقامات موسيقية ربما جاءت بتطورها من خلال تراكب تجربة الأيقونة وكذلك ثلاثية اللوحات وحينها فاز نزار صابور بجائزته الأولى في مهرجان المحبة في اللاذقية على عدد غفير من الفنانيين السوريين والعرب وبذلك نال شرعية فنان عربي يرشح عالميا الآن من خلال اشتراكه في بينالات عربية ومعارض دولية من أميركا إلى أوروبا إلى... المهم إن تجربة الفنانة الشتكيلية تتجلى الآن بالتجهيزات والإنشاءات التي يتدارسها ويعرفها جماليا كما بدا عرض تلك التجربة في معرض التشكيل السوري في صالة اليونسكو في بيروت وكان عمله مميزا إن كل إنجاز عبارة عن محراب قدسي أو معبد جمالي أو تكاوين إنسانية تطرح تساؤلات في مجال تطور التشكيل السوري والعربي ومواكبته الحداثة وما بعد الحداثة حيث لم يكن لنزار الكثير من العلاقات الشخصية المفارقة للعبث في مجال الفن إنما ذهب إلى ذلك بتجدد وتجاوز ووعي وبعد أن غير هندسة اللوحة ولعب بمستطيلها ومربعها وسطوحها النافرة أو الخافتة وحدودها منذ صياغته للأيقونات الجماعية ذات الرأس المثلث في اللوحة المنتصف.

ليس لنزار صابور أن يتوقف عن تطور السحر التشكيلي الذي هو فيه وهو منه هو وفيه ليس عليه سوى التحول وتأويل الألوان وتقويلها وتقويل كائناته وتأويلها في تجهيزاته العتيقة واستعارة أشكالها وإطاراتها ومعالجة طبيعة مادتها وترقيشها بالألوان وتهشيرها وتبديعها وتدليعها وتنويعها كما لو انه يستنبت فنه من البيئة التي يعيشها ليست البيئة المادية فقط بلا البيئة الروحية أيضا وهذا الأهم فيما يقوم به ويصوغه من معالجات لونية ومواد محمولة على تلفها وضياعها فإذا به يستنهضها ويبعثها من جديد في حلة جديدة كمشتبهات غير متشابهات كذلك كاستعارات وكنايات ومجازات جديدة يضعها كي توائم وتلائم عمله ومناخه أحواله ومقاماته ومقابساته ومن خلال عزيفه الفردي المتناغم وتطريبه وتجويده ورقرقته وتمييهه وتصخيره وتمويجه أنما المسألة تتلخص في الكورال اللوني وفي الهارموني الذي يتصابحه ويتماسه يتشافقه ويتغاسقه من خلال توليف سيمفوني للأعمال.

الآن نزار صابور كتشكيلي طليعي وحديث اختباري ومجرب جمالي والدكتوراه في علم الجمال يمر من خلال معرضه الأخير في صالة أتاسي بدمشق وبعد توزع أعماله بين أشخاص وجامعي لوحات وصالات في مرحلة مفصلية تؤهله للتناقد والتناضج مع المتاحف وللإنجازات والتجهيزات والإنشاءات الفنية التي تصلح للجدرانيات أو الجداريات في الكنائس وربما في الأماكن العامة وهكذا لابد لأعراسه البصرية وكرنفالاته وكريستالاته اللونية أن تنتشر وتوفر لها وسائل الانتشار والإعلام البصري وربما الأفلام عنها حيث المعارض قاصرة على الانتشار الواسع وعلى عدد مشاهدي الفن التشكيلي لكن نزار قيد العمل والإنتاج وهذه ميزته وميزة أقران له الآن تميزوا واستطاعوا اختراق حدود التشكيل السوري إلى فضاء عربي واسع وإنساني أيضا.

وحتى طيران الفنان في هذه الفضاءات اللانهائية هو نوع من تخصيب جذور وطنية وحضارية لديه وكأن المجاميع والإشارات العلامات والرموز هي مواطنو لوحاته واللوحة وطنة واختلاجه ونشيجه واجهاشه وتهدجه واعترافه بأنه مواطن سوريا ومواطن كوكب الأرض كوكب الأنسان بل لديه قيود ملائكة مسجلين في لوحته كذلك خاطئين وشياطين وما بينهما مطهر وألوان طهرانية تطيرية وبراءة نزار الإنسانية لا تلغي الصراع لديه صراع الخير والشر بين التراب والسماء شفوق على خاطئيه ودائما يضعهم عاموديا وقادرين على النظر إلى أعلى وعلى التحليق والأمل والطموح والحلم بالخلاص والرجاء وكأن الفنان يريد عيد ميلاده على الأرض ويريد ملكوت السماء في مملكة من هذا العالم وليست خارجه أنها الرؤيا التي يشحذ أسلحتها الجمالية السرية وينجح فيهما أيما نجاح حتى الآن.

• زهير غانم
• معرض نزار صابور
• صالة أتاسي – دمشق
• لوحات وتجهيزات ملونة بمواد مختلفة

 

 


لم يقل : موت
(ذلك الخاطر الذي بحت لك به / بأن الله خلق الإنسان / من طينة الرماد و الدموع / دموع من ؟ سألتني )

أعترف بأني أحد الآن صعوبة شديدة في اللحاق به وإن فعلت لبرهة فإني أجد صعوبة أشد في مجاراته فهو يختلف ويبتعد حتى أكاد لا أميزه فبعد أن خيل لي أنه ولو إلى حين قد استقر في الأيقونة أيقونته الخاصة الصابوريّة إذا سمحتم لي بتسميتها تلك المرحلة التي استهواني أن أقول عنها بأن نزار صابور وجد فيها كما لم يجد من قبل وفي أعلى مستوياته ذلك الاتساق بينه كفرد له طبيعته الخاصة بقدر ما له بيئة ومحيط وله أفكاره وعواطفه بقدر ما له عقيدة وانتماء وبين كونه فنانا يرى من واجبه وقبل أي شيء أن يبذل كل جهده كي يقدم افضل ما يستطيع في حقل عمله المرحلة التي كان خليقا بأي فنان أن يتمهل عندها ما أمكنه وأن يعمل بها أو قل يرتاح ينام سنينا كثيرة يبدل ألوانا وأحجاما أشكالا ومواضيع ويدخل عليها من حين لآخر بعض التغييرات الطفيفة التي يستطيع بواسطتها رسام من مستواه أن يوهم الآخرين بأنه يتبدل ويتطور لك نزار سرعان ما أدار ظهره كاملا لها فلا الاستقرار كان على ما يبدو همه ولا الراحة هذا إذا لم أذكر نجاحه ها أنا أفعل في تحقيق أكبر نسبة رواج وبيع له قاطبة لم يكن همه في الحقيقة سوى شيء واحد وهو ما اشك بقدرتي على تحديده وصياغته ولو على طريقتي الغامضة هذهز

إير أني أعرف تلك الروح المضطربة المضطرمة التي تملي على نزار أهواءها ونوازعها أعرف أي نوع من البشر هو أولئك الذين يحاربون أنفسهم قبل أن يحاربو أي شخص أو أي شيء آخر والذين لا ينتصرون علىأحد ولا يهزمهم أحد سواهم كنت أراه يقضي أمام إحدى لوحاته التي ليست سوى مساحات ألوان وبعض الخطوط بعض المفردات المتكررة قديسين أو شياطين آنية بأشكال غير منتظمة خضار وفكاهة غريبة أشجار تقف جانبا على طرف اللوحة تريد الخروج منها أو الدخول غليها لا أحد غير الله يعلم لوحات لا تريد أن تستعرض أي خبرة أو مهارة كنت أراه يطاول أو يحني بجسده عليها وكأنه بات له حردبة ساعات وأياما بل شهورا الرسم عند نزار ألم ليس ألم كتف أو ظهر فحسب بل الم روح الأمر الذي جعلني لا أحسده على شيء.

لكن الأشياء دائما تحدث بنظام ما أستطيع القول من الأيقونات انزلق نزار بخفة وكأن أحدا لا يراه إلى تجربة أخرى تكاد تكون ولدت منها أقل روحية لا ليست أقل روحية أقصد أقل تطهرية أقل تنسكية أكثر مادية لا ليست أكثر مادية فهذا الرجل لو رسم حجرا لكانت الأرواح وعلى مرأى من الجميع تدخل وتخرج منه أقصد أكثر حسية شهوانية أكثر حركة وأكثر انفعالا كان عنوانها (حب) كلمة واحدة لا حاجة لنا لأكثر وقد أبقى نزار فيها على الكثير من أدواته في مراحل المدن الشرقية وحراس التل والأيقونات كالتأسيس بالذهبي ثم طلاءه ببني شفاف الألوان القوية الرسم فوق الأجزاء المحفورة على الخشب اللوحة المعددة السطوح أو التي صارت خزانة أو صندوقا لكن الخطوط المحددة للأشخاص صارت أطول وألين مشكلة أجسادا تميل وتتلوى وتتقوس صار لأبطال لوحاته عيون مفتوحة على اتساعها وصار لها أنوف ذات خياشيم وشفاه طرية ظاهرة الاكتناز وصار لبعضها أثداء كاعبة نصف متوارية وأطراف تجذب وتضم وتعانق فإذ هم الملائكة أنفسهم القديسون أنفسهم مريم والمسيح أحبوا...

لكنه سرعان أيضا ما استنفذها وكأنها كانت بمجملها على زخمها أقرب إلى الهوى وماذا تريد أكثر من الهوى؟ والسبب الحقيقي كان هنا أقرب إلى الوضوح فالتجربة كما ذكرت كانت وكأنها خاتمة على نحو يشبه ذيلا له بريق لمرحلة الأيقونة التي تبقى الأكمل والأهم بعدها راح نزار يرسم متنوعات قنصليات ملونة بمرايا تحيطها الأصداف رسوما صغيرة وغير دقيقة يربطها مع بعضها ويعرضها متدلية كتمائم وتعاويذ لوحات بدون موضوع محدد مع أشكال بدائية عصيا وأطباقا يوزعها ويشكل بها مشهدا شبه تذكاري طبيعة صامتة بأحجام كبيرة أحد مواضيعه التي يعود إليها دائما ويرسمها مستخدما آلياته المتحجدة في كل مرحلة كما أنه بعد زيارته لأسبانيا جرب العمل مستفيدا من المقرنصات المعمارية التي رآها عن قرب في قصر الحمراء فصنع منها أشكالا وأعدادا لم يستخدم سوى قليلها وكان خلال كل ذلك قد بدأ بالتعامل مع مادة لا سابقة له في إستخدامها جافة بلا لو بلا شكل بلا روح لأه لا مثيل لها في الموت الرماد في أعماله الأولية بدا كل شيء فجا كثمرة تسقط قبل أن تنضج بدا كل شي ميتثا وإن لم يكن ميتا منذ اللحظة الأولى فإنه ما أن يطلق صرخة حتى يموت

كان نزار هذه المرة يريد أن يضع روحا لا في الطين لا في الحجر بل في الرماد وهذه المره كان المخاض أشد ألما أشد قسوة لكن ذلك ما كان يبدو نزار يريده أعود وأقول ؟ هو الذي في كل مرحلة يريد أن يولد نزارا آخر نزار لا نعرفه نزارا هو إن أمكنه لا يعرف نفسه وهكذا لوحة بعد لوحة لوحتين أو ثلاث بعد لوحتين أو ثلاث راح العمل ينمو وينضج راح نار الجديد يقف ليغطي كامل الحائط لوحات كبيرة المساحة جداريات تفيض على المكان بحيث لا تترك فراغا إلا في داخلها فلا تسمح لعيني الواقف أماها بالخروج منها غلا إذا ابتعد بكامل جسده عنها وتوارى خلف حائط قريب ربما تشغله أيضا لوحة تماثلها قسوة لأن نزار الذي نراه الآن أمامنا قد أبدل ملائكته وقديسيه وعشاقه الملونين والمضاءين بشخوص منطفئين ذوي عري فظ بشع وكأنهم مسوخ أو أهل كهوف الإناث منهم لهن أثداء مترهلة ويبدين عاهرات مهتلكات نزار الآخر وقد نزع عنه وجهه الجميل السماوي القزحي الملائكي العشقي الذي نعرفه ووضع بدلا عنه ذلك القناع الرمادي الأسود الكتيم الذي ربما يريد إخافتنا به يريد إنذارنا و لأني رغم صداقتي معه ومواكبتي لكل أعماله كبيرها وصغيرها الهام والنافل منها لا أستطيع أن أكون جازما في معرفتي لما يعنيه من كل هذا أسأله يجيبني بكل بساطة أحسب أنها حياتنا.

غذن نزار يصورنا هكذا كما ترون يصور حياتنا هكذا كما قال ولكن الأمر ليس ببساطة طريقته في الجواب على الإطلاق لأن في هذه اللوحات في وسطها أو في أعلاها يتراءى لنا محددا بطبقات من جبلة الرماذ والغراء السميكة وبدرجات ادكن لونا حينا وأفتح حينا آخر شخص أكبر مساحة بما لا يقاس مع بقية الأشياء والشخوص يقف مباعدا ما بين قدميه أو مادا واحدة مهما أمام الثانية وكأنه يريد أن يتخذ وضعية المقاتل أو المستعد للعراك شخص بكافة التاويلات يريد أن يسيطر على اللوحة وعلى رؤية وإحساس المشاهد في آن ومع أن فهما كهذا يتضمن مخاطرة كبيرة بأن يصنف العمل في خانة الفن السياسي الدارج لكن هذا القدر غير المحدود من التعبيرية في أدواته وأساليبه هذا القدر من عدم المباشرة من عدم الإدعاء بكافة أنواعه كل هذا يجنبه الوقوع جملة وتفصيلا في هكذا مطب ويكسبه بعدا وجوديا شاملا.

لوحات كهذه بهذا الحجم وهذه الأدوات وهذه المواضيع من المؤكد أنك لن تستطيع بسهولة كما يحدث عادة أن ترى أعمالا منها مركونة في إحدى زاويا مرسمه فيحلو لك ولو بتردد قليل أن تأخذها بحجة أنك تريد إهدائها لصديق عزيز يحب رسوم نزار ولا يستطيع شراء أي لوحة من لوحاته ولو بحجم الكف فلا يعترض نزار على شيء غير أنها غير مكتملة أو أنه لم يمض عليها بغسمه بعد فتقول له وأنت تضعها تحت إبطك لوحاتك ليست بحاجة لإمضا فلا يحد الرجل بدا من أي يكون راضيا بل وكأنه يسعده ذلك وغ1ا حدث واختلفت معه في شيء يقوله أو يفعله فهو إما أن يوافقك و إما أن يكتفي بهز رأسه والابتسام رجل يصل إلى هذا الحد من الرقة حتى وإن أوصله أمر ما اضطره شيء ما إلى هذا الحد من القسوه فهو أعرفه لا يمكن له أن يحكم علينا بقسوة أشد فقد قال : حياتنا حياة في الرماد ولم يقل موت .

منذر مصري
اللاذقية 14/3/2002